فخر الدين الرازي

463

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أي نقصني . الصفة الخامسة : قوله تعالى : وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً أي كان النهر يجرى في داخل تلك الجنتين . وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و خِلالَهُما أي وسطهما وبينهما . ومنه قوله تعالى : وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [ التوبة : 47 ] . ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم . الصفة السادسة : قوله تعالى : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة : أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : الثمر المال والولد ، وأنشد للحارث بن كلدة : ولقد رأيت معاشرا * قد أثمروا مالا وولدا وقال النابغة : مهلا فداء لك الأقوام كلهم * ما أثمروه أمن مال ومن ولد وقوله : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر . وعن مجاهد الذهب والفضة : أي كان مع الجنتين أشياء من النقود ، ولما ذكر اللّه تعالى هذه الصفات قال بعده : فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان باللّه وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم : حار إذا رجع ، قال تعالى : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلى [ الانشقاق : 14 ، 15 ] ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه ، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله ، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر اللّه تعالى عن هذه الحالة فقال : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ، فإن قيل : لم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلنا : المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدا منهما ، ثم قال تعالى : وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام ، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعا تلك النعم في غير موضعها ، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً فجمع بين هذين ، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد هذه أبدا مع أنها متغيرة متبدلة . فإن قيل : هب أنه شك في القيامة فكيف قال : ما أظن أن تبيد هذه أبدا مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية ؟ قلنا : المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده ، ثم قال : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً أي مرجعا وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وقوله : لَأُوتَيَنَّ مالًا / وَوَلَداً [ مريم : 77 ] والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقا له ، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء . والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية ، قرأ نافع وابن